مكتب محمد السيسى للمحاماة والاستشارات القانونية

محليات بلا خيبة .. منتهى الديمقراطية

حكايات واقعية من قلب الأحداث
     

بقلم / محمد السيسى


دق الباب بعنف ، مين مين ؟  
 افتح .. حكومة .. هنكسر الباب .
يفرك عينيه ، يتجه متخبطا نحو الباب ودقات قلبه تتسارع ، ماذا يحدث ؟ لم يرتكب جريمة ، ولم يصدر ضده حكم بالحبس ، لم ينصب على الناس ، ولم يختلس مال الدولة ، ولم يعتدي حتى على قطة ، ترى ماذا يمكن أن يكون قد فعل دون أن يدرى ...
ما أن يفتح باب الشقة حتى يجد أمام عينيه قوة من رجال الشرطة ذوى ملابس سوداء ، ممشوقي القوام يقفون في صفين عسكريين منضبطين على سلم العمارة التي يسكنها ، وإذا بقائدهم يلبس ملابس مدنية يشير إليهم أن استعدوا لاقتحام الشقة وتأمين قادة عملية المداهمة ، وهنا يسأل عبد المعطى ، من أنتم ؟ وماذا تريدون ؟
يجيب قائد القوة ، أنا حسن ، وهذا زميلي الرائد أسامة ومعنا إذن من النيابة بضبطك وتفتيشك ، وبأدب جم يطلب : نرجو السماح لنا بالتفتيش وتهيئة الزوجة والأولاد قبل أن نفاجئهم .
 عندئذ كانت الزوجة قد تهيأت وسترت نفسها بملابس طويلة وغطت رأسها واستعدت لغرباء يدخلون غرفة نومها ، وهى من هول المفاجأة تحاول تماسك أعصابها وتربط من جأشها وتتصنع شيئا من القوة حتى لا يضعف زوجها ..
عبد المعطى : تفضلوا بالصالة ، ودقيقة واحدة أستسمحكم أن تمهلوني مع زوجتي المريضة حتى لا تصاب بانهيار وأحاول طمأنتها ، وأرجوكم ألا تستفزوها أو تسيئوا إليها وأنا تحت أمركم ..
المقدم حسن : أمامك 3 دقائق ونستأذنك بتفتيش المكتبة ، ويبدأ هو والرائد أسامة عملية التفتيش ، فتقع أعينهم على دراسات اقتصادية وسياسية وهندسية عن الوطن ، ومذكرات كان قد أعدها عبد المعطى عن المجتمع المدني وضرورة تفعيلة ، وبحث علمي عن الطاقة النووية يشيد باهتمام الرئيس بمشروع بناء مفاعلات نووية للطاقة ، ومجموعة من المقالات والدراسات عن المجتمع والبرلمان والدستور والقانون كان قد جمعها من الإنترنت ، و...     
دخل عبد المعطى إلى غرفة نومه، فوجد زوجته قد استعدت وبسرعة فهمت ما يدور في الخارج ، تماسك وكاد أن يبكى إلا أنه سرعان ما سمع منها ما يطمأن قلبه، قالت له بهدوء طريق الدعوة محفوف بالمكاره والأشواك ، ولا تنسى دوما جهاد رسول الله وأصحابه ، ولا تنسى ما كنت تحدثنا به دائما عن الابتلاء سنة الدعوات ، والله لن يضيعنا ، فاهتم بأمرك ولا تشغل بالك بنا ، وسأذهب أعيش مع إبنى طوال فترة غيابك وسأتصل بمحاميك ليتابع أخبارك ، عندئذ سمع طرقات على الباب تستعجل الدخول حينها فتح لهم الباب ودخل أحدهما متأسفا بأنها أوامر ، وإن شاء الله لن يغيب طويلا ..
انتهى الضابطان من التفتيش واصطحبا معهما جهاز الكمبيوتر وهاتف المحمول ، وتدثر عبد المعطى بملابس ثقيلة تقيه من البرد ليلا وجهزت له زوجته على عجلة من أمرها حقيبة لا يدرى ما بها تحوى قطع من الملابس الداخلية والقطنية فأخذها وذهب مع القوة التي صاحبته إلى مكان مجهول عبر طريق لم يألفه ، وهناك تقابل مع كثيرين تم إلقاء القبض عليهم في نفس الليلة ، وتعرف عليهم وجميعهم لا يعرفون سبب إلقاء القبض عليهم وما تهمتهم ، ولكنهم فهموا أن السبب سياسي في المقام الأول .
أكملوا ما تبقى من ليلهم في هذا الحجز ، شعروا ببرودة شديدة بعد أن اضطرهم الإعياء إلى الجلوس ومن ثم النوم على البلاط ، ولم تكفى حقائبهم وما تحويه من قليل الثياب أن تقيهم لسعة البرد ، وفى آخر الليل سمعوا آذان الفجر يسرى في قلوبهم ثباتا وقوة وعزيمة ، فانتفضوا مرددين خلف المؤذن يملؤهم الإيمان والتقوى ، توضؤا  للصلاة ، وصلى بهم الدكتور على صلاة الفجر وقلوبهم خاشعة ترجوا المغفرة والرحمة وتسأل الله الثبات والنصر ..
شقشق الصبح وسمعوا صوت عصفور يغرد ، يزقزق لهم إن شمس الحرية قد طلعت ولن يستطيع الطاغية أن يحجبها بقضبان سجنه ، وسيزول كل هذا الركام ويبزغ عهد جديد يأمن فيه الناس على أنفسهم وديارهم وأموالهم وحريتهم ، حينها علا أزيزهم بالقرآن والأذكار وكأنهم في الجنة يتنعمون ، وعلت على وجوههم الابتسامة بعد أن عمتهم الأخوة وربط بين قلوبهم الحب وغشيتهم ملائكة الرحمن تحرسهم وتمنع عنهم القنوط واليأس ...
أفرغوا ما بحقائبهم من خبز وحلوى وجبن وخيار وتناوشوه بينهم حتى شبعت بطونهم ورضيت أفئدتهم وضحكت أسنانهم فلم يشعروا بضيق حتى أتحفهم الشيخ جمعة بنشيد بصداح أزعج السجان وأقلق نوم العسكر .. محلاها عيشة الزنزانة .. ضيقة لكن وسعانة .. وطربت أفئدتهم رغم ماهم فيه من محنة ، ونسى عبد المعطى أنه في حجز وظن أنها رحلة في مقلب دبره له بعض الأصحاب ، وقبل أن يفيق من حلمه سمع الجميع قرقعة الباب المصفح ، وهبوا وقوفا وأمروا بالاصطفاف صفين ، وتم وضع الكلابشات الحديدية في أيدي كل اثنين ، حتى تكلبش الجميع ، هنا أفاق عبد المعطى وشعر أنه في سجن .
خرجوا من باب الحجز في حراسة مشددة حتى وصلوا إلى باب جانبي من عربة الترحيلات الزرقاء العالية ، فصعدوا إليها بهمة ونشاط وكأنهم ذاهبين إلى رحلة صيد أو معسكر للجوالة هم عنه مبعدون ومنه محرومون ، وسارت بهم قافلة من سيارتين معبأتين بالرجال حتى وصلتا إلى مفرق طريق فافترقتا وأمام كل واحدة منهما سيارتان بوكس للحراسة كأن كل منهما في زيارة رسمية تنقصها الأعلام الحمراء والسوداء والبيضاء والنسر الأصفر ، والأسود بداخلها يعرفون المسير ، إما إلى السجن أو الاعتقال أو الحبس أو الحجز وكلها مسميات ومعاني مختلفة لحقيقة واحدة هي عزلهم عن الوطن والحرية لأن السجان ترتعد فرائصه منهم ويخشى منازلتهم فيلجأ للخسة والنذالة فيبعد الخصوم عن ميدان السياسة والحزاقة حتى لا يفتضح أمره وينال من الصفر الكبير حظه، ويلعب مع العيال فيضحك على هذا بجزرة وهذا بليمونة ثم ينفض السامر فيخرج هذا وذاك من المولد بلا حمص ، فيعصر الأول الجزرة على الليمونة فتحلوا في عين الكبير السجان فيضربهما بالعصا ويخطف الجزرة والليمونة ، وياريت اللي جرى ما كان ...
تقف العربة العالية الزرقاء أمام مبنى شاهق العلو يقال عنه المحكمة ، وتقف بظهرها عند باب المحكمة فتقذف بالأبطال في بطن المحكمة فتجد للسجان أعوانا كثر ، لا يحصى لهم عدد ، كلهم في الخدمة مأمورين، وباسم العدالة مطيعين، ويزيد عليهم الرضا إذا ما باعوا ضميرهم وشددوا الحصار على المأسورين ، واحبكوا من القانون والسهارى ما يبرطمون به محاضرهم وكأنهم في الحقيقة مستعجبون ، وهم للأسف يتبارون في رخيص النفاق وزالف الركام لسجان جنرال يرميهم بالفتات وبعض العنطظة الفارغة آل إيه قوانين وعدالة .
يدخل عبد المعطى لا يدرى ما يقول ، يقابله محاميه يشد من أزره ، لا تخف ، قضية ملفقة الغرض منها إبعاد الشرفاء أمثالك من المشاركة في انتخابات المحليات ، ولكن عبد المعطى يبدو غير مقتنع ، فهو لم يترشح قط وقد بلغ من عمره الستين دون أن يخالجه شعور بالرغبة في الترشيح ولو لاتحاد الطلبة ، فكيف يساق هكذا دون معرفة حقيقية بنواياه ؟
يطمئنه الدكتور علي رفيقه في الكلابش ، لا تبتأس فالنظام من ضعفه لا يدرى من أين تأتيه القاضية ، فيلوش لعله يصيب أحد منافسيه ، ولا يهمه حينئذ الزج بالآلاف في السجون والمعتقلات ، فأنا على سبيل المثال ، أعتقل كل موسم انتخابات ، شعب شورى حتى تعديل دستور ، لا يهم ، حقيبتي جاهزة ومكاني معد دائما لاستقبالي ، ومأموري السجون قد ألفوا شكلي ، ولا تقلق فنحن ذاهبون معا إليهم .
قائد الحرس يأمر جنوده ، فكو الحديد ، ويدخل عبد المعطى إلى وكيل النيابة ، شاب في سن ابنه الوحيد تامر ، فيعرفه بنفسه أنا تامر وكيل نيابة ممتاز وجئت للتحقيق معك ، وأنت الآن في نيابة عادية وليست نيابة أمن دولة ، والاتهامات الموجهة إليك خمسة لا بل ستة اتهامات هي : الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين وهو تنظيم يهدف إلى تعطيل أحكام الدستور والقانون ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها وتهديد الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن ، وعقد لقاءات تنظيمية في منازل المتهمين بهدف الإعداد لمظاهرات في الميادين العامة من شأنها تعطيل المرور ، وحيازة مطبوعات ومنشورات تحض على كراهية الحكومة وانتقاد مسلكها في التعامل مع القضية الفلسطينية وعدم رفع الحصار عن قطاع غزة ، وإعداد منشورات تدعوا إلى فكر التنظيم ، وتسويد طبقة من المجتمع على أخرى ، واستغلال المناخ الديمقراطي في التحرك داخل الأوساط الجماهيرية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية ، و ...
وعبد المعطى في ذهول لهذا الكلام الذي يسمعه لأول مرة في حياته ، وهو الذي يحترم الدستور والقانون ويدعوا إلى تطبيقه ولم يخالف قانونا قط طوال حياته ، وهو الذي يتعامل بأدب جم مع أقرانه لا يتصور أنه يعتدي على حريتهم الشخصية ، ما هذا الكلام الغريب الذي يسمعه ؟ !!
وكيل النيابة : ما قولك فيما هو منسوب إليك .. من أنك تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين ؟
عبد المعطى : ( قبل أن يجيب) يملى وكيل النيابة على كاتبه : محصلش .
وكيل النيابة : ما قولك فيما هو منسوب إليك ..                       ؟
وكيل النيابة : يملى على كاتبه : محصلش ..
وعبد المعطى في ذهول ووجل قضية أمن دولة مرة واحدة ، ووكيل النيابة يشعره بالاطمئنان فيسأل ويجيب ، والمحامون يترقبون ، فالإجابات تنفى التهم ولكن ..
يهب فازعا أحد المحامين : سعادة الباشا ، ممكن نطلع على محضر التحريات وإذن الضبط ؟
وكيل النيابة : تفضلوا .. ويلتهم المحامون بالتناوب محضر التحريات ليجدوا أن محرره ضابط يدعى حاتم بمباحث أمن الدولة وقد سطر في محضره أنه قد علم من مصادره السرية والدقيقة   والحساسة أن عناصر ينتمون إلى الإخوان المسلمين يعقدون اجتماعات تنظيمية في منازلهم ويستغلون المناخ الديمقراطي في الترويج لأفكارهم ويعدون منشورات الهدف منها الحض على كراهية الحكومة ويعدون مظاهرات للتنديد بموقف الحكومة من القضية الفلسطينية وهؤلاء العناصر هم د. على ، ومهندس عبد المعطى ، ومهندس سيد ، وأستاذ عبد الحكيم ، ود . مجدي ود. عزت ، ود . هشام ، ود. عبد المجيد ، ود. سعد ، وأستاذ مجدي ومهندس أحمد وأستاذ عبد الناصر ومهندس عبد العال وأستاذ إبراهيم وأستاذ أيمن وأستاذ محمود وأستاذ عباس وأستاذ سيف الإسلام وأستاذ عبد السلام وأستاذ خالد وأستاذ علاء وأستاذ حمدي وأستاذ عادل وأستاذ سراج ود . مدحت و د.جمال ود.محمد والأستاذ شكري والأستاذ جمعة ود.حسام ود.سيد والأستاذ جمال والأستاذ عبد العزيز وغيرهم الكثير ...
، ويطلع المحامون على إذن الضبط فيجدونه مؤشر عليه من رئيس نيابة بالتصريح للضابط مجرى التحريات ومن يندبه بضبط وتفتيش أشخاص و منازل من ذكر وضبط ما بحوزتهم من أموال ومنشورات ...
يكمل وكيل النيابة التحقيق س، ج، س، ج ، أنت متهم ....؟
ويدفع المحامون ببطلان إذن النيابة لبنائه على تحريات غير جدية وانتفاء مبررات الحبس الإحتياطى و ... ويبتسم المحامون لوكيل النيابة ويشكرونه على حسن تعامله مع عبد المعطى وتنتهي الابتسامة بحبس عبد المعطى خمسة عشر يوما ...
ويدخل د . على ليفاجئ وكيل النيابة بأنه يؤمن بفكر الإخوان وأن الأحراز المنسوبة إليه هي ملكه وأن جماعة الإخوان تدعوا إلى الإصلاح وتطبيق الدستور والقانون ، وأن الذي يجب أن يوجه إليه الاتهام بتعطيل الدستور هو الضابط مجرى التحريات ، ....، ... فيحتار وكيل النيابة وينتهي أيضا بحبس د. على خمسة عشر يوما   ..
ويدخل هشام ليفاجئ وكيل النيابة بأن هذه تمثيلية ولا يريد أن يشارك فيها فيمتنع عن الكلام في المحضر مع التأكيد على أنه يكن لوكيل النيابة كل احترام وتقدير ... ويصدر رئيس النيابة أمرا بحبسه خمسة عشر يوما ... وهكذا مع باقي المتهمين ..
ويقتاد عبد المعطى ورفاقه إلى سجن المحكوم فيمتلئ عن آخرة فيذهب آخرون إلى عنبر الزراعة بمنطقة سجون طرة ليجدوا في انتظارهم العشرات بل المئات من أبرياء قبض عليهم في المظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني والمنددة بالحصار الظالم على قطاع غزة .
يتقابل عبد المعطى مع رضوان أحد المقبوض عليهم من الشارع ليجده شابا وطنيا مخلصا لوطنه ، مدافعا عن قضايا أمته مناديا بفك الحصار عن المرضى والمصابين من جراء المجازر الصهيونية ضد أبناء شعبنا المجاهد في غزة .
قضى المحبوسون خمسة عشر يوما في زنازين ضيقة بلا تهوية ولا أسرة ، كل زنزانة عبارة عن حجرة مساحتها 3.50م×5.00م بها حمام داخلها عبارة عن فتحة في أرضية الحمام والذي عرضه 1م وطوله  1.50 ولا توجد به أية فتحات للتهوية ، والزنزانة تسع عشر أفراد وفى أوقات الأزمات يزيد العدد حتى يصل إلى عشرين فردا في جو خانق لا تستطيع أن تعيش فيه حتى الحيوانات ، وحوائط الزنزانة يسكن فيها الحشرات بكافة أنواعها ، ويسح منها التراب كما شلال الماء ، والرطوبة تخنق المكان ، فلا متنفس، وضوء الشمس لا
يكاد يصل إلى فتحات التهوية الصغيرة التي لا تزيد عن 60سم×60سم .
يتعايش عبد المعطى مع إخوانه فيشعر معهم أنه في نعيم مقيم ، هذا يزيل عنه همه ، وذاك يلطف عليه الضيق والشرود ، وآخر يطمئنه على أهله وأنهم بخير ، ويأتيهم محامى لزيارتهم فيشعرون أنهم في ضمير إخوانهم لا يفقدون ، وتحوطهم معية الله ولطائفه فيسعدون ويروحون بأشعار وسمار وألعاب وأهازيج تغيظ السجان وتخنق روح الطغيان .
تنشر الصحف أن أجهزة الأمن قد أحبطت مخططا للجماعة المحظورة يدعوا إلى مشاركة الناس الشرفاء في انتخابات المحليات وتفويت الفرصة على النظام للإنفراد بالسلطة والحياة العامة ، وفهم الناس مغزى القبض على الإخوان ، فراحوا يستخرجون أوراق الترشيح ظنا منهم أنهم يمارسون حقهم الدستوري كما نص عليه الدستور " المساهمة في الحياة العامة واجب وطني " ، ووقف المواطن في طابور الترشيح عله يصل إلى الموظف المسئول ، ساعة والطابور لا يتحرك ، ساعتين والطابور كما هو ... ، ظل منتظرا إلى أن أوشك اليوم على النهاية ، وعندما هم بترك الطابور ليستفسر عن سبب التعطيل إذا بالأرض تنشق عن ضابط أمن دولة ومعه حرس يرفعون أسلحتهم في وجه المواطن البئيس ، فيسأله الضابط : إنت رايح فين يابن ... ، أقف في الطابور يا ... ،
 تعالى هات ورقك ...، فيقع المواطن في حيص بيص ، المحامون نبهوا عليه بأن لا يسلم أوراقه إلا للموظف المختص ، ولكن ماذا يفعل .. فكر لحظات .. هل يهرب أم يجرى أم ينط في الهواء ؟ كل الإجابات تؤدى إلى أنه لا مفر من إعطاء الأوراق إلى الضابط الكشر ، فسلمه الأوراق ويداه ترتعشان ، أخذها الضابط وأقتاده إلى حجرة داخل الوحدة المحلية ليكتشف في الداخل أنه لا يوجد موظف واحد لاستلام الأوراق ، وأن الشباك مقفل بالجنازير ، وأن الطابور الطويل أشبه بطابور العيش ، مجرد طابور وهمي ... فاجأه الضابط بسؤال : وأنت يا روح أمك جاى تترشح ليه ؟
المواطن : أنا سمعت السيد الرئيس يتحدث عن المواطنة ويحث الناس على المشاركة ، وأنا حبيت أشارك .
الضابط الكشر يبتسم ابتسامة أقرب إلى السخرية : تشارك ! ، طب يا مواطن أمامك حل من اثنين ، يا تشارك وتتفضل معانا نستضيفك عندنا لحد ما الانتخابات تخلص ، يا تسيب ورقك ده ومشوفش وشك ، لا مشفش خيالك معدي أمام مجلس المدينة .. تحب تختار إيه ، ..
أراد المواطن أن يتنصح : أنا مش ها ترشح وادينى الورق وأنا ها قعد في البيت لغاية لما تنتهي الانتخابات .
الضابط : يا مواطن يا صالح ، الانتخابات دي للصيع ولاد الجزمة ، والحرامية بتوع الحزب الواطى ، وأنت مواطن عليك علامات الصلاح والتقوى وأنا خايف عليك لتتلوث ، والورق بتاعك هابعتهولك لغاية عندك بعد الانتخابات .
فهم المواطن المعنى وهم بالانصراف شاكرا ضابط الشرطة على النصيحة الغالية متمنيا أن تسعفه خطواته على النجاة من براثن هذا الألعبان ، وخرج يسارع الخطى ترقبه نظرات العساكر ، وعند الباب يرقب المحامى من بعيد فيتظاهر أنه لا يراه ، بل لا يعرفه ، حتى يتوارى عن الأنظار ، فيحدثه المحامى تليفونيا فيقص عليه ما جرى ، فيخبره أن هذا ما حصل مع جميع المرشحين بما فيهم مرشحي الحزب الوطني .
يرفع المواطن قضيته إلى القضاء الإداري ليجد المئات قد منعوا من الترشيح ورفعوا أمرهم إلى القضاء والذي سارع في الفصل فيها بقبول أوراق ترشيحهم وإدراج أسمائهم في كشوف المرشحين لانتخابات المجالس المحلية .
يسارع المحامى الهمام بالحكم الصادر لصالح موكله المواطن لمقر اللجنة فيجد بابها موصدا محكم الإغلاق فيفور الدم في عروقه ويقفز من على السور ليكون داخل مقر الوحدة المحلية وبينه وبين مقر اللجة باب ، قبل أن  يضع يده على الباب يفاجئه ضابط أمن الدولة المذهول من دخوله واقتحامه الأبواب المغلقة فيستضيفه بعد الترحيب به في مكتب مجاور للجنة ، وبعد الشاي والتحيات يساومه على ما معه من حكم أو اعتقاله سنة كاملة ، إذ يقول له الضابط : أنت بطل ، باقتحامك كل هذه الأسوار والحراسات فلا شك أنك جسور وتستحق الاحترام ، وجميع العساكر سيتعرضون لمحاكمة عسكرية وللتأديب على السماح لك بالدخول رغم أنهم لم يسمحوا ولم يروك ، وأمامك خياران ، إما تسليم الحكم أو بقائك في السجن عاما كاملا ، وأنت محامى وفاهم للقانون ، وحتى نقرب المسافات ها قبض عليك وأعرضك على النيابة اللي ها تحبسك خمستاشر يوم في خمستاشر يوم ، ويوم ما تفرج عنك هتلاقى قرار اعتقال ودورته ثلاثة أشهر إفراج أول وإفراج ثاني ، وبعدها قرار اعتقال جديد وهكذا ، إيه رأيك ؟
المحامى فهم ومفيش حل غير أن يسلم الحكم بالصيغة التنفيذية للضابط ، وبمجرد استلام الظابط للحكم شعر أنه قد حقق انتصارا في ميدان الجهاد فأمر عساكره بلهجة حادة وحاسمة أن افتحوا الأبواب وأن لا يتعرض أحد للأستاذ ، فخرج الأستاذ المحامى منتشيا بالفوز بحرية افتقدها لدقائق .
لبث عبد المعطى في السجن خمسة وأربعين يوما وعرض مع زملائه على قاض في غرفة مشورة ليطلب من استمرار حبسه حتى لا يتم اعتقاله مثلما فعلو مع زملاء له حصلوا على إخلاء سبيل فتم اعتقالهم ، وهنا تعجب القاضي ، لا مفر من حبسك طالما تخشى الاعتقال وأمر بحبسه وآخرين بناء على طلبهم وهنا يحتسب القاضي على الظالمين .
أغلق باب الترشيح ، ولم تحترم أحكام القضاء ، وشعر ضباط أمن الدولة بنشوة الانتصار ، وبدءوا الإفراج تدريجيا عن من يتم إخلاء سبيله ، عندها أيقن عبد المعطى أنه قد حان وقت المطالبة والإصرار على إخلاء السبيل فرفع أمره مرة أخرى إلى القاضي ليقف أمام محكمة الجنايات لنظر استئناف أمر حبسه ليقضى القاضي أمره على مسمع من عبد المعطى وإخوانه بإخلاء سبيل جميع المحبوسين ولترتفع في السماء عاليا يحيا العدل ، الله أكبر ولله الحمد ، إن في مصر قضاة لا يخشون إلا الله .
ويتوالى الإفراج عن المحبوسين ولم يبق في السجن إلا قليل ممن تم اعتقالهم ولم تنتهي إجراءات الإفراج القضائي عنهم وترتفع أكف المفرج عنهم بالدعاء لزملائهم بأن يعجل الإفراج عنهم ، وتجرى مراسم التهنئة داخل الزنازين لمن أفرج عنهم بفرح مهيب تتعانق فيه القلوب بالحب والفرح والدموع على أوقات مرت عليهم سعيدة رغم بؤس ما فيها وليغيظ الله قلوب السجان بنعمة الإفراج عن المظلومين .
يذهب عبد المعطى إلى بيته وزوجه وابنه وهو في شوق إليهم وهم في سعادة بالغة لعودته بين أيديهم يباركون خروجه وإخوانه سعداء به وبعودته ، اللهم فرج عن كل مكروب وأسير .. آمين .



[ قائمة الصفحات ] [ الصفحة من 9 إلى 217 ] [ الصفحة التالية ]

مرحباً بك !

مدونتي
بطاقتي
أرشيفي
أصدقائي
ألبومي

مواقع مفضلة

محمد السيسى
إخوان الجيزة
الإخوان المسلمون
إسلام أون لاين

تصانيف المدونة


عناوين المقالات

عيد للفطر والنصر .. وغضب الشعب على حكام القصر
لماذا تصر واشنطن على ملاحقة البشير؟
باراك أوباما وجون ماكين
نكبة فلسطين ونكبة حكامنا أشد
استهداف الأطفال في غزة
سامى الحاج .. أنت حر
المحاكمات العسكرية
غزة قبل الانفجار
محليات بلا خيبة .. منتهى الديمقراطية
الشيخ الشهيد.. أحمد ياسين

مدونات صديقة


التدوين للجميع

مدونات أكتب
تريد مدونة؟

RSS بث محتويات

RSS 2.0

أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال